المستقل

الإستقلال المالي حلم كل إنسان على وجه الأرض، مطور الويب ليس استثناءً لهذه القاعدة بطبيعة الحال.

عدد كبير جدا من مطوري الويب يأملون الوصول في يوم ما إلى تحقيق حريتهم المالية وبناء مشاريعهم الخاصة عوض انتظار الراتب من المدير في نهاية كل شهر. راتب لا يتغير ولا يتحسن في غالب الأحيان مهما تفانى المطور واجتهد في عمله.

الوصول إلى ذلك اليوم الذي يكون فيه المطور مديرا لنفسه ليس بالأمر السهل، سواء من الناحية العملية أو من ناحية الإستعداد النفسي للبدء في خوض تلك التجربة التي لا تؤول بالضرورة دائما إلى ما هو مرجو منها.

أنا، العبد الضعيف، مرت عليّ تلك اللحظات التي كنت فيها مجبرا على اتخاذ قرارات صعبة وخوض تجارب ومغامرات كثيرة.. نجحت في بعض منها وفشلت في البعض الآخر.. ولكن بعد كل فشل كنت أستخلص الدروس وأنهض من جديد لكي أواصل رحلتي نحو حريتي المالية، فالحرية بالنسبة لي لا تقدر بثمن وغير قابلة للمقايضة.

في السطور القادمة من هذه المقالة، سأشارك معك ـ صديقي المطور ـ أهم الأفكار والنصائح التي قد تنفعك في سعيك نحو الإستقلال، بحكم التجارب التي راكمتها طيلة السنوات العشر الماضية.

خذ من هذه الأفكار والنصائح ما يتلاءم مع ظروفك وحالتك، ودع عنك ما دون ذلك.

التردد والخوف من الفشل

في أحد الأيام، كنت جالسا مع أحد أصدقائي المطورين من الذين سبق لي مزاملتهم في العمل، وقد كنت حينها مستقلا وأعمل من البيت. أما هو فكان يعمل في ذلك الوقت لحساب شركة في مدينة الرباط وجاء لقاؤنا ذاك في فترة إجازته بمدينة أكادير.

الرجل كان متعبا نفسيا بسبب ضغط العمل الذي سئمه ولم يعد باستطاعته التحمل، حتى أنه لم يكن بمقدوره الإستمتاع بإجازته لأنه كان يحسب الأيام التي تمر منها وتقربه بذلك للعودة إلى الرباط والبدء من جديد في ذات الروتين.

رغم أن دخلي كان أقل مما يكسبه هو، إلا أنه كان يغبطني على حياتي تلك التي أعيشها، والتي بدت له أفضل من حياة الروتين والملل التي يحياها في العاصمة بعيدا عن أهله وأصدقائه.

كان محمد ـ اسم ذلك الصديق ـ يسألني أسئلة تنم عن رغبته في خوض تجربة العمل الحر ولكنها كانت رغبة ممزوجة بالخوف من المجهول. أسئلة من قبيل:

  • هل مشاريع الويب متوفرة بما يكفي في سوق العمل الحر ؟
  • كيف سأكسب ثقة العملاء وبالتالي الحصول على مشاريع جديدة باستمرار ؟
  • ماذا عن التأمين والضمان الإجتماعي ؟

وكأني به ينتظر مني أن أعطيه ضمانات بالنجاح حالما يتقدم بالإستقالة من عمله والبدء في مجال العمل الحر. ليس هكذا تتخذ القرارات، فأنا عندما قدمت استقالاتي كنت دائما أدرك المكاسب التي قد أحققها ولكن لم أغفل كذلك عن المخاطر والصعوبات التي سأواجهها. مع ذلك فأنا ألتمس له العذر، لأنه كما أشرت في المقدمة، لكل واحد منها ظروفه الخاصة، وهامش المخاطرة يختلف من شخص لآخر.

على كل حال، المخاطرة يجب أن تكون محسوبة وعلينا أن نعد بشكل جيد الأساسات التي نبني عليها قراراتنا الصعبة.

اكتساب التجربة أولا

النجاح في العمل الحر يتطلب أن يكون لديك تجربة احترافية سابقة وكافية في الميدان الذي تمارس فيه، وهذه التجربة تأتي بأفضل ما يكون من خلال العمل كموظف بإحدى الشركات الصغيرة، أقول الصغيرة لأن هامش التعلم واكتساب مهارات جديدة يكون أكبر في الشركات الناشئة مقارنة بالشركات الكبيرة.

في الشركة الصغيرة ممكن أن تجلس مع المدير مرة أو مرتين في الأسبوع على الأقل وتتبادل معه الحديث، ولكن في الشركات الكبيرة بالكاد تلتقيه في بعض الإجتماعات الدورية، وفي الغالب يكون مدير الموارد البشرية هو الوسيط بينكم.

في فترة العمل في الشركة، حاول أن تستغل أوقات فراغك لكي تحصل على عملاء ومشاريع جانبية تعمل عليها من البيت (مثلا في المساء وفي عطلة نهاية الأسبوع). إياك أن تنام في منطقة راحتك كون الراتب مضمون وسيدخل في نهاية الشهر 🙂 سنوات العشرينات هي الفترة الأنسب للمجازفة والمغامرة، حيث لا مسؤوليات وليس هناك ما نخسر.

تجربة العمل كموظف ستتمكن من خلالها كذلك في بناء معرض أعمالك؛ أول ما يسألك عنه أي عميل قبل أن يأتمنك على مشروعه.

معرض الأعمال غاية في الأهمية لأنه الناطق الرسمي باسمك 🙂

المهم، بعد أن تحس بأنك دخلت فترة الركود في الشركة ولم تعد تتعلم الشيء الكثير، آنذاك حسب رأيي، هو الوقت المناسب لكي تتخذ قرارك بخوض معركة الإستقلال وتجربة العمل الحر.

قبل الإستقالة، هل ادخرت بعض المال ؟

أن تكون موظفا فهذا يعني بأنك تحصل على راتب شهري منتظم، ولكن هذا سينتهي بمجرد دخولك لعالم العمل الحر، خصوصا في الأيام والشهور الأولى. لذلك إذا لم تدخر بعض المال من عملك السابق فكن متأكدا بأنك ستعيش حياة عصيبة ومن غير المحتمل أن تصمد لوقت طويل.

ادخر على الأقل ما يكفيك لستة أشهر، واجتهد قد الإمكان ـ وأنت موظف ـ أن تدخر على الأقل %15 من راتبك، ولو تمكنت من رفع تلك النسبة إلى %20 أو أكثر فيسكون ذلك رائعا، وأظن بأن هذا ليس مستحيلا خاصة بالنسبة لشاب يافع في العشرينات ليست عليه مسؤوليات كبيرة.

هذه النقطة تجرني إلى نصيحة أخرى أريد أن أوجهها لجميع الشباب في مقتبل العمر: أرجوكم ابتعدوا عن القروض البنكية أو أي التزامات مالية من شأنها أن تحرمكم من حرية اتخاذ قراراتكم.

لا تستعجل ـ أخي ـ في شراء السيارة بمجرد أن تقبض راتبك الأول، لا تحاول أن تعيش الرفاهية قبل أوانها.

ليس صعبا أن تحصل على قرض من البنك، بل على العكس البنكيون يطيرون من الفرح عندما يأتيهم من يطلب قرضا ويستقبلونه بالإبتسامة العريضة. ولكن بمجرد أن توقع على التزامك معهم فأنت أصبحت مقيدا معهم ومجبرا على دفع دفعات شهرية حتى تتمكن من سداد ذلك الدين، وبالتالي الوظيفة تصبح بالنسبة لك شيئا مقدسا لا يمكن المساس به.

القروض البنكية تسلب منا حريتنا، وتجعل منا عبيدا بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

هدية مني: أنصحك بالتدوين

إلى هنا، تحدثنا عن ضرورة اكتساب الخبرة، بناء معرض للأعمال وتوفير مدخرات تعينك على الصمود في الأيام والفترات الصعبة.
بالإضافة إلى ذلك كله، هناك نصيحة أخرى أريد أن أهديها لكل مطوري الويب المستقلين أو الذين ينوون الإستقلال: افتحوا مدونات وشاركوا فيها خبراتكم.

التدوين كما بينت في مقال سابق يحمل منافع جمة وكثيرة للمطور، فمن خلالها تستطيع التسويق لنفسك في مجال احترافك وبناء مجتمع من المتابعين. هذا المجتمع يمكن الإستفادة منه بطرق عديدة، حيث يمكنك بناء مشروع أو منتج رقمي وتقوم ببيعه لهم. قد يكون هذا المنتج قالب ووردبريس مثلا، دورة مدفوعة، كتاب إلكتروني إلخ… المهم أن تقدم محتوى جيد، مفيد وحصري حتى يثق أولئك المتابعون فيما تنتجه.

قد تكون المدونة موقعا إلكترونيا أو قناة على اليوتيوب، مهما يكون، المهم أن يكون المحتوى في قيمة انتظارات المهتمين والمتابعين.

في الختام

لا توجد هناك خطة محسومة للنجاح في العمل الحر، فالمسألة نسبية وتعتمد على عدة متغيرات تختلف من شخص لآخر، ومن بيئة لأخرى.

في هذا الموضوع، حاولت أن أشارك معكم مجموعة من النصائح والأفكار بناء على تجربتي الشخصية، وهي على كل الحال تجربة ما زالت في طور التشكل ولم تكتمل بعد.

صديقي الكريم، أتمنى أن تستفيد من هذا الموضوع، وإذا كانت لديك أفكار أخرى تريد إغناء الموضوع بها فلا تتردد في طرحها في التعليقات. كما سأكون سعيدا جدا إذا شاركت المقال مع أصدقائك وزملائك 🙂

1 تعليق

  1. نصائح عملية مهمة تلامس الواقع، و أكيد من قرأ المقال جيدا، سيعرف إن كان يناسبه العمل الحر، أو الأفضل البقاء كمو ظف، إلى حين توفر الشروط، كالخبرة و نصيب من المال يعيش عليه إلى حين جني العوائد، أعرف من يفعل الإثنين معا، لكن على مشاريع بسيطة فقط

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here